الشنقيطي

208

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة التغابن قوله تعالى : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ 1 ] . تقدم معنى التسبيح ومدلول ما في السماوات وما في الأرض في أول سورة الحشر والحديد ، وهذه السورة آخر السور المفتتحة بالتسبيح . والفعل هنا بصيغة المضارع الدال على التجدد والحدوث . والتذييل هنا بصفات الكمال للّه تعالى بقوله : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ للإشعار بأن الملك للّه وحده لا شريك له : نافذ فيه أمره ماض فيه حكمه بيده أزمة أمره ، كما في قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] . وكقوله في سورة يس : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ يس : 82 - 83 ] . ومن قدرته على كل شيء ، وتصريفه لأمور ملكه كيف يشاء ، أن جعل العالم كله يسبح له بحمده تنفيذا لحكمة فيه ، كما في قوله : لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ القصص : 70 ] ، فجمع الحمد والحكم معا لجلالة قدرته وكمال صفاته . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ 2 ] . قال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، في مذكرة الدراسة : المعنى أن اللّه هو الذي خلقكم وقدّر على قوم منكم الكفر ، وعلى قوم منكم الإيمان ، ثم بعد ذلك يهدي كلا لما قدره عليه كما قال : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) [ الأعلى : 3 ] فيسر الكافر إلى العمل بالكفر ، ويسر المؤمن للعمل بالإيمان ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « اعملوا فكل ميسر لما